عثمان بن جني ( ابن جني )
77
سر صناعة الإعراب
وإن أخرجت من هذه الحروف السين واللام ، وضممت إليها الطاء والدال ، والجيم ، صارت أحد عشر حرفا ، تسمى حروف البدل ، وسيأتيك ذلك مفصّلا إن شاء الله ، ولسنا نريد البدل الذي يحدث مع الإدغام ، وإنما نريد البدل في غير إدغام . ومن الحروف حرف منحرف ، لأن اللسان ينحرف فيه مع الصوت ، وتتجافى ناحيتا مستدقّ اللسان عن اعتراضهما على الصوت ، فيخرج الصوت من تينك الناحيتين ، ومما فويقهما ، وهو اللام . ومنها المكرّر ، وهو الراء ، وذلك أنك إذا وقفت عليه رأيت طرف اللسان يتعثر بما فيه من التكرير ، ولذلك احتسب في الإمالة بحرفين . واعلم أن في الحروف حروفا مشربة ، تحفز في الوقف ، وتضغط عن مواضعها ، وهي حروف القلقلة " 1 " ، وهي القاف ، والجيم ، والطاء ، والدال ، والباء ، لأنك لا تستطيع الوقوف عليها إلا بصوت ، وذلك لشدة الحفز والضغط ، وذلك نحو : الحق واذهب واخلط واخرج وبعض العرب أشد تصويتا . ومن المشربة حروف يخرج معها عند الوقف عليها نحو النفخ إلا أنها لم تضغط ضغط الأول ، وهي : الزاي ، والظاء ، والذال ، والضاد ، وبعض العرب أشدّ تصويتا . فأما حروف الهمس فإن الصوت الذي يخرج معها نفس ، وليس من صوت الصدر ، وإنما يخرج منسلا " 2 " وليس كنفخ الزاي ، والظاء والذال والضاد والراء شبيهة بالضاد . ومن الحروف ما لا تسمع بعده شيئا مما ذكرناه ، لأنه لم يضغط ، ولم يجد منفذا ، وهي : الهمزة ، والعين ، والغين ، واللام ، والنون ، والميم ، وجميع هذه الحروف التي تسمع معها في الوقف صوتا ، متى أدرجتها ووصلتها زال ذلك الصوت ، لأن أخذك في صوت آخر ، وحرف سوى الأول ، يشغلك عن اتباع الحرف الأول
--> ( 1 ) القلقلة ( في علم التجويد ) : أن ينتهي النطق بالحرف الساكن بحركة خفيفة ، ولا يكون إلا في حرف شديد غير مهموس ، وهي حروف " قطب جد " . ( 2 ) منسلا : خارجا في خفية . مادة ( سلّ ) . اللسان ( 3 / 2074 ) .